دائرة الضوءقلاب الرئيسية

فدرلة سوريا

طرحٌ روسيٌ باحتمال تحوّل سوريا إلى دولة فيدرالية طفا إلى السطح خلال الأسابيع القليلة الماضية،

وينظر إلى الطرح الروسي خلال هذا التوقيت على أنه “سباحة عكس التيار”، ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار لترسيخ وقف النار بين المعارضة والنظام، يحاول الروس رمي الكرة إلى الأمام عبر اتباع سياسات “جس النبض”، بطرح صيغ لبنية نظام الحكم السوري الجديد، تتماشى مع رغبات مكونات معينة من الشعب السوري من أجل معرفة ردود الفعل، ولعل تحول سوريا إلى دولة فيدرالية يحفظ ماء وجه النظام من السقوط، بعدما كاد أن يتهاوى بفعل الثورة الشعبية.

ويتناقض الطرح الروسي الحالي مع كلام موسكو الرسمي بالحفاظ على وحدة أراضي سوريا، لأن هناك توجسًا وتخوفًا كبيرين من قبل المراقبين بالتوجه إلى تقسيم سوريا في حال فشل وقف إطلاق النار.

لكن “فدرلة” سوريا وهو المصطلح الذي يبدو أنه سيتداول كثيرًا خلال الفترات المقبلة بالتزامن مع إطلاق مفاوضات السلام بين المعارضة السورية والنظام، سيصطدم بالكثير من العراقيل والمواقف التي تعارض هذا الطرح لأنه برأي بعض المحللين “خطوة أولى لتقسيم سوريا”، فيما يرى طرف آخر بأنه الحل الوحيد والضامن لوحدة البلاد.

وبين هذين الطرحين يستمر “رسم” الشكل المستقبلي لسوريا سياسيًا وحتى إداريًا بين الأطراف الدولية، واللاعبَين الأساسيين موسكو وواشنطن.

فتح تصريح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، بأن “موسكو تأمل بأن يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية فيدرالية، ووضع معايير محددة للهيكلة السياسية في سوريا المستقبل”، فتح الباب أمام تكهنات بوجود قرارات واتفاقيات ربما تبرم في “الكواليس” عن شكل الدولة المقبل، وكيف ستكون “الفدرلة” وعلى أي أساس، في ظل وجود فسيفساء من الأعراق والطوائف المتعايشة والتي شكلت الحرب الراهنة اختبارًا كبيرًا لمدى تماسكها وانسجامها.

وانسجم هذا التصريح مع تحذير الأسد، من أن سوريا ربما تتعرض للتقسيم، وذلك في أول حديث له عن ذلك منذ اندلاع الثورة، ما يفسر استشعاره إمكانية تقسيم البلاد

ترغب المعارضة السورية في ترحيل مسألة شكل الدولة والحكم لما بعد التوصل إلى حل سياسي للأزمة الحالية، لأن “المعركة الآن هي لإسقاط النظام” أما شكل الحكم فيحدده الشعب السوري وهو من مهمة الهيئة التأسيسية الوطنية التي ستكتب الدستور الجديد، بعد تشكيل هيئة حكم انتقالي، بحسب يحيى مكتبي، الأمين العام للائتلاف السوري المعارض.

ويضيف مكتبي أن جميع القرارات الدولية السابقة بخصوص الشأن السوري، أكدت بشكل صريح على وحدة سوريا وشعبها، مشيرًا إلى أن طرح الروس لإمكانية تشكيل دولة فيدرالية في سوريا “مثار ريبة وشك ومتناقض مع ما نصت عليه القرارات الدولية”.

يعتبر مكتبي، أنه لا يمكن لأي دولة من الدول، أو جهة من الجهات داخل سوريا وخارجها، أن تصادر إرادة الشعب السوري، لافتًا إلى أن “أي طرح يجب أن يكون ضمن الأطر الدستورية، ليخضع لعملية الاستفتاء، ويقرر الشعب السوري الشكل المناسب لدولته”.

الأمين العام للائتلاف السوري يؤكّد أن “ما يتفق عليه السوريون سيكون محط احترام وتنفيذ، على اعتبار أن البوصلة الأساسية هي مصلحة الشعب السوري بكافة مكوناته وعلى قاعدة العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات”.

أما بالنسبة لشكل الدولة وطريقة تكوينها، فيحيل مكتبي المهمة إلى “هيئة تأسيسية وطنية ستكتب الدستور الجديد، بعد تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات واسعة بما فيها الجيش والأمن دون بشار الأسد”،

لا شك أن شكل الدولة المقبل هو مسألة وطنية بامتياز، ويتطلب مشاركة شعبية واسعة لإقرارها، وذلك وفق ما يرى خبراء دستوريون منهم سام دلة، الخبير الدستوري وعميد المعهد العالي لإدارة الأعمال في سوريا سابقًا.

يقول في معرض تعليقه على الطرح الروسي الجديد حول فيدرالية سوريا، عبر منشور له على صفحته الشخصية في فيسبوك، إنّ “المسألة (الفيدرالية) تشكل خيارًا وطنيًا أكثر من كونه دستوريًا، وبالتالي تتطلب أوسع قاعدة للمشاركة ممكنة لتعزيز شرعية هكذا خيار، ولذلك كانت إجابتي بأنني أنظر لمسألة خيار الفيدرالية من ناحيتين: الأولى دستورية/تنظيمية، والثانية سياسية”.
ويرى دلة أنه “من الناحية الدستورية/التنظيمية، فإن فكرة الفيدرالية سواء تمت بطريقة الاندماج (دول مستقلة تندمج في إطار فيدرالي) أو بطريقة تجنب التفكك (دولة موحدة مركزية تذهب لخيار الفيدرالية لكي لا تتفكك كالحالة السورية) هو خيار نموذجي”، مستدلًا بتجارب دولية أثبتت بأن الخيار الفيدرالي هو الصيغة الأفضل لتركيبة أي دولة.

ويضيف أن “الاتجاه العام للكثير من الدول المركزية، إعادة هيكلة تركيبتها لتستجيب لحسن الحوكمة والتنمية نحو الفيدرالية أو نحو صيغ قريبة من الفيدرالية، وباتت على خطوات قريبة من هذا النموذج (إيطاليا، إسبانيا…) وحتى دول بُنيت تاريخيًا كنموذج للدولة المركزية (كفرنسا) ذهبت إلى تطبيق نظام لامركزي شديد لامس حدود الفيدرالية”.

وخلص دلة في هذا الشق للقول إن “الصيغة الفيدرالية دستوريًا/تنظيميًا، أضحت صيغة نموذجية وخيارًا مُفضلًا لبناء دولة تسهل معها عملية الحوكمة والتنمية فيها بين المركز والأطراف”.

أما من الناحية السياسية، فيعتبر أن “أي بناء دستوري/تنظيمي نموذجي غير كاف إن لم ينطلق من شرعية واسعة، فالصيغة الفيدرالية (لاسيما تلك التي تنجم تجنبًا للتفكك) تحتاج إلى أوسع قدر من التوافق الوطني، هذا التوافق الواسع كأساس للشرعية هو شرط جوهري لتأمين السير المنتظم للبناء الدستوري/التنظيمي”.

ويرى دلة أنّ تاريخ تجارب الدول الفيدرالية الناجحة (الولايات المتحدة الأمريكية، الإمارات العربية المتحدة…) تُظهر دائمًا دور “الآباء المؤسسين” الذين تمتعوا بقدر كبير من العقلانية مع نكران الذات في صياغة نموذجهم الفيدرالي، وبنيت الفيدرالية فيها على رؤى وآمال جامعة (ليبرالية: الولايات المتحدة الأمريكية، تنموية: الإمارات العربية المتحدة)، في حين أن الدول التي بنيت فيها الفيدرالية على نموذج تقاسم السلطة (باكستان، العراق…) بقي الفشل حليفها”. ويضيف متهكمًا “يبدو أن قائمة الآباء المؤسسين للفيدرالية السورية بدأت مع لافروف وكيري وريابكوف وديمستورا…. فأي شرعية لهذه الفيدرالية ؟”

وختم بالقول “الفيدرالية فرصة من الناحيتين السياسية والتنظيمية إذا ما بُنيت على رؤى وطنية جامعة تُنتج حوكمة فعالة وناجحة، وهي أمر خبيث إذا بُنيت على فكرة تقاسم السلطة، فلن تُنتج سوى حكومات فاشلة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق