2018/06/25 - 12:59 م
الرئيسية » الرأي » المسمار الأخير في النعش السوري

المسمار الأخير في النعش السوري

 

تتسارع الأحداث السياسيّة على الساحة السوريّة وخاصّة بعد الجولات العسكرية التي فرضت وقائع جديدة على الأرض، وبطبيعة الحال لن يحصل ثبات في المتغيرات العسكرية ما لم تصاحبها تطورات سياسية، وهذا ما تحاول الأطراف المستفيدة عسكريّا العمل على تكريسه من خلال المسارعة في عقد المؤتمرات وجولات المفاوضات، وهذا ما لمسناه من مسارعة ثلاثي أستانا إلى الجلوس على طاولة الحوار بعد أن مكّنت روسيا القوات التركية من احتلال عفرين بمساعدة مرتزقة الفصائل الإسلامية المتطرفة وبقايا داعش وتهجير سكانها من بيوتهم وقراهم، كما ساهمت تركيا في إنجاز عمليات التهجير التي رعتها روسيا من غوطة دمشق وريفي حمص الشمالي وحماه الجنوبي في محاولة جادة لتغيير ديمغرافية البلاد تمهيداً لتنفيذ أجنداتهم التقسيميّة على الأرض.

وبطبيعة الحال هذه الاتفاقيات تفضي إلى إنشاء جيب تركي في شمال غرب سوريا تحكمها الفصائل المتطرفة، مما يحقّق أهدافاً عدّة لتركيا أوّلها إسقاط المشروع الديمقراطي الذي تمّ الإعلان عنه من قبل مجلس سوريا الديمقراطية في الشمال السوري بالإضافة إلى فرض حاكميتها على هذه المنطقة الجغرافية الممتدة من جرابلس إلى إدلب مروراً بالباب واعزاز وعفرين، ومحاولة ضمّ هذه المناطق إلى لواء اسكندرون السليب في حال استمرار الفوضى والحرب.

وهذه الاتفاقيات بطبيعة الحال تكرّس التقسيم الفعلي لسوريا من خلال دفع الكرد وشركائهم في قسد إلى الابتعاد عن الحضن السوري بعد أن خذل النظام السوري والعالم أجمع قوات قسد في عفرين في رسالة من دمشق بأنّنا لا نملك القرار ولا نفكّر بعقليّة وطنيّة جامعة ونفضّل مناطقاً سوريّة على أخرى، ممّا يقوّض فرص الحوار مع النظام السوري، في الوقت الذي تحظى فيه المعارضة المتطرفة بدعم تركي وقطريّ لا محدود في شمال غرب سوريا مما يؤدي إلى خلق ذلك الكيان المرتبط بتركيا.

أما الجنوب السوري فتعمل فيه إسرائيل بهدوء لتثبيت قدميها هناك وخلق قوات عسكرية مرتبطة بها وفرض الهدنة بعد ذلك على النظام بعد إبعاد إيران عن تلك المنطقة، وما الضربة الأمريكيّة الأخيرة على المواقع الإيرانيّة إلّا رسالة لإيران بأنّ عليها أن تبتعد عن الجنوب وتكتفي بمحوري دمشق وحلب، فلا إسرائيل ولا أمريكا تريدان كسر إيران وإسقاطها بالكامل فدورها مهمّ جدّاً في سوريا والشرق الأوسط في ظلّ وجود قوى متصارعة على زعامة المنطقة كتركيا والسعوديّة، لذا لن ينهي الغرب الدور الإيراني بل سيعملون على تقليصه فقط، وطبعاً كانت إيران الأقل ظفراً من الصفقات التي أجريت في أستانا مقارنةً بحجم التكاليف التي تحملتها في الحرب السورية سواء بشرياً أم ماديّاً.

وما يؤكّد الاتفاق الغربي وخاصّة الروسي والأمريكي على تقاسم النفوذ والعمل على تفتيت سوريا هو ما صرّح به ترامب قبل يومين بقطع المساعدات عن شمال غرب سوريا أي مناطق النفوذ التركي، وبأنّها ستكتفي بمناطق شرق الفرات، أي أنّها تسحب يدها من الشمال الغربي بعد أن صرفت ملايين الدولارات في دعم الفصائل هناك، ويبدو أنّ ذلك يتماشى مع بسط النفوذ الإسرائيلي في الجنوب ممثلاً بدعم أمريكي، وقد كان هناك حديث عن بسط النفوذ الأمريكي في الشمال الغربي مقابل إطلاق يد الروس على الجنوب والتنف ولكن يبدو أنّ المقايضة فشلت، وستعمل أمريكا على تعزيز وجودها قرب التنف وفي الجنوب إلى جانب شرق الفرات وتترك الباقي بين المتصارعين الثلاثة روسيا وإيران وتركيا فهذا الخيار أقلّ تكلفة من الخيار الأوّل بالنسبة لأمريكا في ظلّ وجود آلاف المتطرفين في الجيب الشمالي الغربي من سوريا.

ناقوس التقسيم يدّق في سماء سوريا وهذا يضرّ جميع الأطراف بلا استثناء، فقطع أوصال البلاد بين الشرق والغرب وباقي سوريا سيكون بمثابة المسمار الأخير في نعش سوريا الموحدة والجامعة لكلّ المكونات وذلك لا يفيد إلّا أعداء سوريا لذا يجب على الأطراف السورية أن تتسم بالعقلانية اللازمة لمواكبة المرحلة والخروج من الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من سبع سنوات بأقلّ الأضرار، فالحوارات الوطنيّة سيكون لها نتائج إيجابية وفي حالها نجاحها يمكن أن نقول أنّها بادرة خيرٍ لقيادة سوريا نحو بلدٍ ديمقراطي تعددي يعترف بحقوق كافة المكونات ويتبنى نظاماً ديمقراطياً ينبذ العنف والطائفية والعنصرية، وهذا مرهون بمدى مرونة النظام السوري وقدرته على تغيير نفسه والانفتاح على الحلول الديمقراطية، وأيضاً المعارضة الخارجية ومدى قدرتها على فك ارتباطاتها بأجندات الدول الإقليمية في سوريا والتخلي عن مساندة المتطرفين في الشمال الغربي من سوريا والتخلّي عن مشروعها في بناء مستوطنة إخوانيّة تابعة لتركيا في شمال غربي البلاد، وأيضاً قسد التي تبدو أكثر مرونة في فتح أبواب الحوار مع كافة الأطراف.

وبطبيعة الحال لن يرضى الشعب السوري بإعادة إنتاج النظام السابق وبالعقلية ذاتها أي بإعادة شرعنة النظام المركزي الأحادي، وذلك يبدو بعيد المنال بالنسبة للنظام، ولن يرضى بطبيعة الحال بتفكيك النسيج السوري وقطع أوصال البلاد كما تسعى لذلك بعض الدول الفاعلة في سوريا، لذا يبدو أنّ الحل الأنسب هو خيار سوريا الاتحاديّة اللامركزية والذي تتوافق عليه مكونات الشعب السوري، لذا يجب الأخذ بالحسبان ضرورة اللجوء إلى هذا الخيار وإلّا فإنّ القادم  أسوأ

سلام حسين

28 أيار 2018

Multicolor-Vintage-font-b-Feather-b-font-Ballpoint-font-b-pen-b-font-Writing-Black-font

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>