2018/05/25 - 2:35 ص
الرئيسية » الرأي » مقاومة عفرين استعادت  الثقة بإرادة السوريين.

مقاومة عفرين استعادت  الثقة بإرادة السوريين.

٣ آذار ٢٠١٨
حاولت أبرز قوتين دوليتين وهما روسيا وأمريكا خلال الأشهر السابقة إضعاف هيمنة ودور القوى الإقليمية الحليفة لها ( تركيا وإيران ) بجرهما إلى حرب استنزاف، أي أن أمريكا عمدت إلى إضعاف الدور التركي في سوريا، بالمقابل هناك محاولات روسية من أجل إضعاف الدور الإيراني وذلك من خلال جرها إلى إدلب وعفرين في اتفاقات أستانا لإفساح المجال لتركيا لاحتلال مناطق سورية والتصادم مع قسد من جهة والحليف الإيراني من جهة أخرى، وقد بات ذلك واضحاً في مدينة عفرين وبلدة الحاضر ومطار أبوضهور العسكري والسبب هو بقاء القوتين الأساسيتين روسيا وأمريكا وحدهما متحكمتين بزمام الأمور على الساحة السورية .
وتابعنا كيف تم إنهاء دور الوكلاء من الفصائل العسكرية على الأرض في الآونة الأخيرة والآن أتى دور الحلفاء لإضعافهم، والتمهيد لإمكانية الاتفاق فيما بعد بين القوى الدولية روسيا وأمريكا وهو الاحتمال الأوفر حظاً أو اللجوء إلى مواجهة مباشرة في سوريا وهذا مستبعد جداً في المدى المنظور.

كما نجد أن دور تركيا لا يتعدى دور الشرطي المنفعل في المنطقة والذي استفاد منه الأمريكان سابقاً والآن يستخدمه الروس لنفس الغرض.
فالحجج التركية بالغزو على عفرين انكشفت معظمها للرأي العام حول وحدة سوريا وأراضيها بالتزامن مع رفع العلم التركي في جرابلس والباب وفرض اللغة التركية في تلك المناطق المحتلة من الشهباء وتعيين والي عليها إضافة لشراء الأراضي من المواطنين السوريين، أما بالنسبة لإدعاء النظام التركي بمحاربة الإرهاب فهو غير دقيق – و أشبه بحديث العاهرة عن الشرف – حيث أنه وأمام مرأى ومسمع العالم طوال السنوات السابقة كانت تركيا تدخل الإرهابيين من تنظيمات القاعدة وتدعم الجهاديين المتطرفين من الأخوان المسلمين على طول الحدود السورية وكان آخرها دخول الجيش التركي إلى إدلب تحت راية جبهة النصرة دون أي اشتباك ولو شكلي .

وباتت سياسة الحكومة التركية تتسم بالخداع الظاهر للعيان من خلال التصريحات الجوفاء نتذكر من تلك التصريحات أن أردوغان كان قد وعد السوريين بأنه سيصلي في الجامع الأموي وأن حماه خط أحمر و الآن يريد الصلاة في عفرين خلال أيام فلا صلى في الجامع الأموي ولاعفرين قبلت صلاته فكلامه الغير مسؤول أفقده المصداقية تجاه شعبه وحلفائه، إضافة لعدم احترام النظام التركي لجيرانه ولا حتى وحدة وسيادة الأراضي السورية، بل على العكس تماماً فقد تاجر باسم الثورة السورية ومعاناة السوريين من خلال ورقة اللاجئين السوريين التي يهدد بها أوربا ليل نهار، ولجوء النظام التركي إلى سياسة الأرض المحروقة في معركته بغزو عفرين إلى تدمير البنى التحتية والقصف العشوائي للمراكز الحيوية والمنشآت المدنية والخدمية حتى الآثار في مدينة عفرين لم تسلم من حقده فآثار عين دارا دمرت خلال لحظات والتي تعود للحضارة الميتانية ( أجداد الكرد ) المكان الأثري المهم الذي يدل على وجود الكرد في هذه البقعة الجغرافية منذ آلاف السنين .

إن أسوأ الناس هم الذين يساعدون المحتل على احتلال بلدانهم فلا المحتل راضٍ عنهم ولا شعبهم وهذا حال المعارضة وأئمة الإسلام السياسي الذين يتبعون السلطان العثماني في أنقرة ليعبروا عن تبعيتهم وخدمتهم لبلاط السلطان وذلك قبل مدة وبحماية ورفقة الدبابات وبغطاء من الطيران التركي، قام وفد من الائتلاف بزيارة إلى بلدة قسطل جندو القرية الإيزيدية الوديعة التي كانت تعيش بسلام على سفوح جبل برصايا في عفرين قبل أن يحتلها جنود أردوغان.

في حين أن الحرب النفسية الخاصة والماكينة الإعلامية لتركيا عملت على مدار السنوات السابقة ومن خلال تنظيم الإخوان المسلمين السيطرة على عقول الشعوب العربية والإسلامية من أجل تجنيدهم في صفوف الجهاديين من خلال دغدغة مشاعر هذه الشعوب واللعب على وتر العاطفة الدينية والتركيز على شريحة الشباب لتتمكن من أحداث شرخ بين مكونات المجتمع السوري وشعوب المنطقة و إثارة النعرات الطائفية والدينية بضرب المكون العربي بالكردي والسني بالشيعي والدفاع عن التركمان تارةً و بلغة عنصرية مشبعة بالتطرف والكراهية والعنف تارةً أخرى .

ولعل تلك المحاولات والسياسات ظهرت جليا ً في احتلال الجيش التركي لعفرين وتوطين أناس آخرين وإحداث تغيير ديمغرافي في الشمال السوري وهي سلسلة من الاتفاقات السابقة لتقسيم سوريا وتهجير أهلها حيث أخرجوا مجموعات كبيرة من أهالي حمص وحماه وريف دمشق والآن الغوطة لتوطينهم في إدلب واعزاز والباب وربط تلك المناطق ببعضها من خلال كريدور يمر من عفرين حيث الجنة الموعودة للجهاديين والمهجرين قسراً .

لكن مقاومة عفرين بفضل تضحيات أبنائها والدعم والتأييد الشعبي المطلق لها أثبتت مجدداً للعالم أن عفرين رقم صعب في المعادلات الإقليمية والدولية ، فهي التي أرغمت الجيش التركي بمقاومتها على استخدامه الأسلحة المحرمة دولياً في سابقة خطيرة تضاف إلى جرائم النظام التركي ووحشيته فبتاريخ 16 فبراير 2018 استهدف الطيران الحربي قرية “أرندة”  بغاز الكلور في عفرين وأكد الأطباء المختصون أن المصابين قد تعرضوا للإصابة بغاز الكلور السام وأن حالة بعضهم خطرة.

باختصار شديد نجد أن الإرادة التي لا تعتمد على القوة الذاتية لشعبها تبقى محكومة و أسيرة الخارج و لاتستطيع الاستمرار، فنحن كشعوب شرق أوسطية نمتلك العديد من المقومات التي تخولنا للتطور – مثل الأرض الخصبة والطاقات البشرية و الفكرية ذات الصبغة الشبابية – والجغرافيا الإستراتيجية بالإضافة للإرث التاريخي والحضاري الغني لأن نكون في مكان متقدم له تقديره واحترامه في العالم، لكن عندما تنعدم الثقة بإرادتنا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً هنا نشهد أكبر المخاطر وبداية الفشل وهذا لا يأتي من فراغ بل هي نتيجة تراكمات سلبية والتوكل أو الاستسلام للغير، فأولى مراحل سلب الإرادة هي الابتعاد عن التقاليد الإيجابية والإرث التاريخي لمجتمعاتنا وأسلوب حياتنا الطبيعية المرتبطة بالأخلاق فعندما يحاول أعداؤك إزالة هذه الصفات من مجتمعك عندها يبدأ الخطر والاستسلام .

ومن إحدى أمثلة سلب الإرادة أن تكون أسير التكنولوجيا حيث نرى أن العقول في مجتمعاتنا تنشغل في معظم وقتها ببرامج اجتماعية مرتبطة بالتكنولوجيا لدرجة أن تنسى محيطك وانت ترتبط ببرنامج تكنولوجي معين وتمضي معظم وقتك أسير التكنولوجيا “مثل الفيسبوك” ليصبح التكنولوجيا غذاءك وفكرك وعالمك وتفكيرك.

فالخطر الأكبر أن تصبح أسير الآخرين وإبداعاتهم ولاتثق بنفسك و أن لا تكون صاحب مشروع بناء و لا يكون لديك أمل بقدراتك ليصبح البديل هو ما يتم التحضير له من قبل أعدائك من خلال ما يزرعونه من تقاليد وعادات، كما أنه علينا التخلص من الأفكار السلبية المدمرة مثل نقد كل شيء مرتبط بالشرق على أنه شرق أوسط متخلف وأن الغرب هو المتطور والمتقدم علينا فكرياً وتكنلوجيا ؟!. وهذا أيضاً ناجم عن ضعف الثقة بقدراتنا، وعلينا قبل أن ننقد الغرب أو ننقد أنفسنا وشعوب الشرق أن نعمل على تطوير أفراد مجتمعاتنا وأن لا يكون الحل البديل هو تقليد الآخرين واستخدام ما يقدم لنا جاهزاً حسب فكر وحضارات الأخرين مثل أن نلجأ لتقليد عادات ومنظومة الغرب، فتطورنا غير مرتبط بهم بل بعلم الإنسانية والموروث الحضاري للشعوب التي تعتمد على المجتمع الطبيعي الأخلاقي بما يتناسب مع إرثنا الحضاري وعاداتنا وثقافاتنا الإيجابية .

أما إذا قلدنا الغرب بكل شيء ( باللغة و العادات والأمور الحياتية ) وانطلاقا من القناعة أننا عندما نقلدهم أو نكون مثلهم سنكون متطورين ، هذا الخطأ الفادح و الذي نقع فيه أيضاً ، فالفرد في المجتمعات الغربية ليس من الضروري أن يقلدنا ولايشعر بالتخلف والنقص عندما لايقلدنا ، بالعكس يقوم بنشر ثقافته ونحن نتقبل تلك الثقافة على حساب نسيان حضارتنا لنقلدهم نحن ونبتعد بذلك عن ثقافاتنا الشرقية وأصولنا ، فقد وصل بنا ضعف ثقتنا بإرادتنا لدرجة أن العلم والفكر أيضاً لا نأخذه إلا من الغرب فلكي نكون علماء علينا قراءة كتب الغرب مع أننا نمتلك علوما لاتقل أهمية عن علومهم .

كمثال حي عن ضعف الثقة نذكر دول الخليج ، فالخليجيون يعيشون فوق بحر من البترول لكن ثقتهم بالإنسان الشرقي ضعيف جداً ، فلو أن هناك مهندسان الأول عربي والثاني انكليزي والاثنان درسا في نفس الجامعة وتخرجا منها وبذات المعدل والاثنان تقدما إلى الوظيفة بشركة خليجية بحاجة لمهندسين اثنين سنجد المواطن الانكليزي مرتبه ومكانته أعلى من المواطن العربي بكثير ، ويعود سبب ذلك إلى عدم الثقة بالإنسان الشرقي ؟!. ، فعدم الثقة بالنفس والقدرات الذاتية وصلت لأدنى المستويات ، مثلاً نعرف ونقرأ سياسة الغرب جيداً لكن لانعرف سياسة بلداننا وجيراننا الذين يعيشون معنا و في محيطنا .

تم كسر هذا الموروث المجتمعي من ضعف الثقة وبناء منظومة مجتمعية قوية في ظل الصراع الذي نعيشه حيث الحياة السياسية الحرة لأكثر من ٣٧ حزب سياسي في مناطق الشمال والشرق السوري إضافة لتنظيم المجتمع ضمن خلايا مجتمعية مترابطة في تجربة نادرة ونوعية في سوريا تسمى الكومين وإعلان إدارات ذاتية من سكان تلك المناطق لإدارة شؤونهم الحياتية وإنشاء قوات دفاع ذاتي قوامها يزيد عن ٥٠ ألف مقاتل استطاعوا حماية الحدود الشمالية لسوريا من الإرهاب وتطهير المناطق التي استولى عليها الجهاديون رغم الحصار الجائر ومحاولة الضغط على مناطق الشمال من أجل تمرير مشاريع دولية أو إقليمية لكن استمرار أهالي الشمال مع الشرق السوري بالمضي في مشروعهم الديمقراطي مواجهين أشرس الأعداء على مر التاريخ وفي منطقة لاتقبل حكوماتها بأي شكل من أشكال الديمقراطية مع محاولة الدول الإقليمية بشتى الوسائل إفشال هذا المشروع لأنه سيشكل خطراً على منظوماتهم الاستبدادية .
الآن عفرين تشهد الملحمة الكبرى ضد تلك العقلية السلطوية وفيها يبرز ابتزاز الدول و الصفقات وحتى ضعف مجلس الأمن والأمم المتحدة وجميع السياسات والإدعاءات حول سوريا وشعبها.
عفرين بفضل مقاومتها و الإعتماد على الذات و ثقتها المطلقة بأبناء بلدها الذين لم يراهنوا في يوم على دولة معينة بل راهنوا على قدراتهم وسياستهم التي بنت شبكة من العلاقات المرتبطة بالقاعدة الشعبية استندت إلى إرادة الشعب أساساً والوقوف على مسافة واحدة من جميع الدول المعنية بالشأن السوري ومعرفة الأعداء الذين حاكوا العديد من المخططات لسلب إرادة وفكر الشعب السوري خدمة لأجندات ومصالح بلدان أخرى .
عفرين ملحمة كل السوريين ضد الإنكار والاستبداد وهي التي ستثبت للعالم إرادة الشعوب في الحياة وأن هذه الإرادة ولدت من رحم الصراعات وتستطيع أن تنفض عنها مشاريع الإحتلال و الاستغلال فهي الأمل للشعوب الصامدة والمرتبطة بجذورها منذ آلاف السنين تأبى الاستسلام والخنوع .
عفرين تسطر تاريخاً جديداً مشرقاً من سوريا والشرق الأوسط وتدفع من زيتونها و دماء أبنائها الوطنيين ثمناً لحريتها ضد مشاريع المحاور الإقليمية ومطامع المصالح الدولية التي تخلت عن أدنى المواثيق والأعراف الإنسانية في احترام إرادة المجتمعات وحق الفرد في العيش بكرامة على أرضه التاريخية.

لدينا ثقة كبيرة بإرادة قواتنا الوطنية وشعبنا المقاوم لأننا أصحاب الحق فكل الغزاة مهما بلغت قوتهم وحجمهم لقوا الهزيمة على أسوارنا، فأبناء المغول وأبا جهل في موقف الاعتداء والاحتلال ونحن على أرضنا أرض الزيتون والسلام ندافع عن وجودنا وحريتنا ونعيد للشعوب المضطهدة ثقتها بإرادتها وتاريخها وأرضها .

بقلم الأستاذ أحمد أعرج
المنسق العام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري

IMG-20180302-WA0091

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>