2017/12/14 - 1:03 م
الرئيسية » الرأي » إدلب كرة النّار

إدلب كرة النّار

 

لا يختلف اثنان على أنّ إدلب هي المحطة الأخيرة من محطات الأزمة السورية التي مرّت بالعديد من المحطات والتحوّلات التي صبّت آخرها في الخاصرة الشمالية الغربية لسوريا.

ولا يخفى على أحدٍ حدّة الصراع على هذه المنطقة لما تشّكله من بعدٍ استراتيجي للقوى المتصارعة والداعمة للصراع.

فالنظام استطاع أن يخرج كل معارضيه من المدن السورية الداخلية وزجّ بهم في إدلب لتكون المحرقة الأخيرة لهم، فلا يهم إن خسر إدلب إن استطاع  من خلالها كسب باقي الامتداد السوري، لكنّه لن يرضى حتماً أن تكون المنطقة التي تحدّ معاقله الهامّة كاللاذقية مسقط رأس رأس النظام غرباً، وحلب ثاني أكبر مدن سوريا والشريان الاقتصادي لها شرقاً، ومن الجنوب حماه التي تشكلّ درعاً لامتداد الداخل حمص ودمشق، إذاً يجب أن تكون جبهة هادئة تماماً تشتعل أحياناً وفق مصالحه لا ضدّه بتحريك الفصائل المتواجدة فيها ضدّ بعضها البعض، وربّما يستطيع الوصول إلى هدفه المنشود بالاتفاقات التي عقدها مع العدوّ التركي في أستانا برعاية روسية، حيث تعمل الاتفاقية على ترويض الفصائل بشكل تام، وخلق هدنة شاملة مع النظام، وتوجيه البندقية إلى عفرين المحاذية لإدلب، كي تستنجد المنطقة بالنظام أيضاً، فالنظام يحاول ضرب عصفورين بحجر واحد، إنهاء النزاع مع الفصائل المسلحة في إدلب بوضعها في حظيرته والضغط من خلالها على قوات سوريا الديمقراطية المسيطرة على عفرين وجزء من الشهباء، وذلك لإيصال رسالة إليها بأن دمشق هي الملاذ ولا توجد أي فرصة لاستمرار الحكم الذاتي بعيداً عن حضن دمشق، إذا فصائل إدلب ستتحول إلى عصا في يد دمشق للتلويح بها ضدّ الأكراد، وبهذا يكون النظام قد ضرب العصفورين بحجر واحد على حساب المخاوف التركية.

تركيا التي لم تستطع قراءة الحالة السورية بشكل سليم حيث كان الأكراد هم همها الوحيد، وبالتأكيد هذا قصر نظر كبير في مفهوم السياسة أي أن لا ترى الأمور إلاّ من منظور واحد، فالهدف الوحيد هو إفشال المشروع الكردي مهما كان الثمن، والذي وإن كان باهظاً لكنها لم تدفعه من شعبها ومالها، فوقود تركيا كان الشباب السوري والإرهابيون الذي توافدوا من مختلف أصقاع العالم وتم تدريبهم في معسكرات عينتاب وأورفا والزّج بهم في الحرب السورية ضدّ الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية، لكنّهم لم يتمكنوا من كسر شوكة الأكراد الذين وجدت فيهم أمريكا والقوى العظمى المخلّص الوحيد لسوريا من حالة الفوضى والتخبط التي يمكن أن تمتد إلى تلك الدول إن لم يتم القضاء على الإرهاب وإسقاط عاصمة الخلافة المزعومة، وأمام هذه المعطيات وجدت تركيا نفسها الخاسر الأكبر، لذا لجأت إلى روسيا لتقدم التنازلات من خلالها إلى دمشق، مقابل أن تكون دمشق هي الحد الذي لا يمكن للأكراد تجاوزه وتخطيه، فكان الطلب أحبّ ما يمكن على قلب النظام الذي لم يغيّر عقليته الأمنية بعد كلّ ما حصل، لذا طلبت من أنقرة تسليم رؤوس مرتزقتها وإخراجهم من مدن الداخل السوري، فرضخت تركيا لذلك وسلمت مدن ريف دمشق وأحياء حمص وحلب، وبالمقابل سمح لها النظام باحتلال جرابلس والباب كي توقف تمدد قوات سوريا الديمقراطية بالتنسيق معها، واليوم إدلب هي الفصل الأخير من فصول تلك الاتفاقية، ولا يستبعد أن تخرج تركيا من كامل سوريا بعد تسليم جرابلس والباب وإدلب إلى النظام، بذلك تكون قد منعت تمدد الأكراد ورضيت بأقل الخسائر، والدور الذي ستلعبه في إدلب مشابه تماما لما حصل في الباب، والوئام التام في الخط الفاصل بين قوات النظام في الباب سينتقل إلى الحدود المتاخمة في إدلب أيضاً.

أمّا قوات سوريا الديمقراطية فإنها مدركة تماماً لما يحصل، ومدى الخطورة التي يمكن أن تنجم عن التنسيق الحاصل بين المحتل التركي ونظام دمشق، ورفضهما التام لأي مشروع ديمقراطي لسوريا، لذا سيتم الإعلان قريباً عن مجلس إدلب العسكري الذي يتألف من أبناء إدلب، فسياسية قوات سوريا الديمقراطية قائمة على تشكيل المجالس العسكرية من أبناء المدن التي تنوي تحريرها كما حصل في منبج والطبقة والرقة ودير الزور، إذاً هو استعداد لمواجهة مخططي النظام وتركيا، ويبدو أن هناك قبول شعبي لهذه الفكرة، فإدلب أمام خيارات ثلاث لا رابع لها:

  • الخيار الأوّل يتمثل بدخول تركيا بالتنسيق مع النصرة، لتصبح منطقة محتلة كما تم في الباب ويتم تعيين الولاة من تركيا، ويتم تتريك المنطقة، فلم يكفّ محللوا أنقرة عن التصريح بأن إدلب والباب وحلب هي مناطق عثمانية ويجب استردادها، طالما أن دمشق لا تعارض ذلك بتخلصها من كل معارضيها وحشرهم في منطقة واحدة تكفل تركيا لدمشق طاعتهم لها، ومن يشق عصا الطاعة تقوم تركيا بتأديبه بدلاً من النظام.
  • أما الخيار الثاني فمتمثل بدخول النظام وإيران وتسهيل تركيا لذلك في حال معارضة الفصائل لدخول تركيا، فتركيا في حال شعرت بأنها ستخسر الجنود على الأرض، وهي متخوفة من المستنقع السوري رغم علاقاتها الجيدة مع هيئة تحرير الشام إلاّ أنها لا تأمن جانب كل الفصائل والتي يمكن أن تدخل تركيا في دوامة لن تخرج منها إلاّ مهزومة وخاصة مع توارد الأنباء عن دخول داعش إلى إدلب عن طريق النظام ليصبح المشهد أكثر تعقيداً، لذا هناك احتمال أن تسهل أنقرة دخول قوات النظام وإيران في حال تعثرها ليكونوا سدّاً أما طموح الأكراد بالوصول إلى المياه الدافئة.
  • أما الخيار الثالث فهو كما يحلو للبعض قوله هو دخول الأكراد، وهي تسمية خاطئة للداخلين، فالأكراد لن يدخلوا، فلن يرضى الشارع الكردي بدخول أبنائهم وتحولهم إلى وقود لحرب ضروس في إدلب، وحتى القيادات الكردية لن ترضى بذلك، وكما ذكرت سابقا أن قوات سوريا الديمقراطية تشكل مجالس عسكرية من أبناء المناطق التي تنوي تحريرها، ولديها آلاف الجنود من إدلب والذين يقاتلون في جيش الثوار وتحت راية قوات سوريا الديمقراطية، وهم متحمسون جدّاً للتوجه إلى محافظتهم وتحريرها من الإرهاب وإغلاق الباب أمام المحتلين التركي والإيراني، وهذا الخيار يتمتع بقبول شعبي واسع، وفي حال نجاح هذا التقدم، سيكون كل من تركيا والنظام في موقف حرج إذ ليس بإمكانها محاربة هذه القوات لأنها أولاً تتشكل من أبناء المحافظة وثانياً لأنها تتمتع بدعم أمريكي وهي آتية لتحرير المنطقة من الإرهاب لكنهما سيضعان الكثير من العراقيل أمام ذلك.

إذاً إدلب كرة مشتعلة من النار والكلّ عينه عليها، والكلّ يدرك تماماً أن الحصول على المنطقة يتطلب الاكتواء بنارها، فكما قال الشاعر:

” ومن يطلب الحسناء لم يغله المهر”، فمن نصيب من ستكون إدلب؟، هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.

بقلم أ. سلام حسين

10 – 10 – 201720246324_1414053982016301_3797539231000084349_n

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>