2017/12/14 - 1:02 م
الرئيسية » الرأي » الكونفدرالية الديمقراطية هي الحل الوحيد لمشاكل الشرق الأوسط

الكونفدرالية الديمقراطية هي الحل الوحيد لمشاكل الشرق الأوسط

تمتلك المنطقة صفات فيدرالية عبر تاريخها الطويل. فتقاليد الإمبراطورية فيها، أقرب إلى الفيدرالية منها إلى الحكم المركزي، وذلك بحكم الواقع. يمكن ملاحظة ذلك في العديد من الإمبراطوريات التي قامت في الشرق الأوسط. فقد كانت العلاقات بين العاصمة والمراكز الأخرى ضمن الإمبراطورية الواحدة رخوة، تحتضن في طياتها خصائص فيدرالية.

يتم طرح العديد من أشكال وصيغ الحلول لمنطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة، وبمختلف السيناريوهات التي تسعى العديد من القوى المتنافسة في خضم فوضى الشرق الأوسط إلى تطبيقها حسب مصالحها في المنطقة. كذلك هناك العديد من الخيارات أمام المنطقة للخروج من حالة الفوضى والأزمة التي تعيشها، فإن شكل الحل الكونفدرالي الديمقراطي يفرض نفسه كخيار بديل تتبناه شعوب المنطقة من العرب، الكرد، الترك، والفرس وغيرهم في مواجهة السيناريوهات والخيارات الأخرى التي تسعى القوى الخارجية إلى فرضها على المنطقة. من طرف آخر، تسعى الدول المتزمتة والأنظمة التوتاليتارية و الأوليغارشية و المونارشية المحافظة على وضعها الحالي إلى إحداث تغييرات طفيفة وهمية ومخادعة، محاولة بذلك كبت أنفاس الشعوب التي تتطلع بدورها إلى حياة حرة كريمة وديمقراطية تستند إلى أسس المواطنة الحرة.
تم طرح العديد من المشاكل والقضايا والظواهر التي ذكرت سابقاً في واقع الشرق الأوسط. هذه الأمور مجتمعة تبحث عن حلول جذرية لها، تكون فعالة وملائمة لواقع المنطقة، وتعتمد على قواها الديناميكية الذاتية الخلاقة. هذه الحلول ممكنة بالتوجه نحو بناء مجتمع ديمقراطي يستند إلى مبدأ التحرر الجنسوي الايكولوجي للشعوب، لا يهدف إلى الدولة، بل يولي الأولوية  للأخلاق وحقوق الإنسان والمجتمع المدني.
تمتلك المنطقة صفات فيدرالية عبر تاريخها الطويل. فتقاليد الإمبراطورية فيها، أقرب إلى الفيدرالية منها إلى الحكم المركزي، وذلك بحكم الواقع. يمكن ملاحظة ذلك في العديد من الإمبراطوريات التي قامت في الشرق الأوسط. فقد كانت العلاقات بين العاصمة والمراكز الأخرى ضمن الإمبراطورية الواحدة رخوة، تحتضن في طياتها خصائص فيدرالية. هذا نابع من حقيقة خصوصيات المنطقة، ومن جوهر الإرث الثقافي للحضارة الشرق أوسطية. علينا معرفة أنه هناك تداخل ديموغرافي وثقافي كبير في الشرق الأوسط. والشعوب التي تعيش فيها تستند إلى إرث ثقافي تاريخي عميق في جذوره. وفي نفس الوقت، تواجه التحديات والمشاكل ذاتها من القضايا الأساسية (الوطنية، الاجتماعية، والاقتصادية). هذه القضايا، لا يمكن حلها بشكل مجزأ. التجزئة والانفصال من الأسباب التي زادت من المجازر، وعقدت الأمور أكثر مما تتحمله المنطقة، وخاصة مع ظهور الدولة القومية الشوفينية.
يوجد تداخل اجتماعي عميق في الشرق الأوسط، الذي تتقاسم شعوبه نفس الجغرافيا، وتستند إلى نفس منابع الطاقة والمياه. هذه أسباب تستدعي البحث عن حلول عاجلة وناجعة. أما الحلول المنفردة، التي جربتها دول المنطقة كل على حدا، فقد أثبتت عدم جدواها، وفشلها الذريع، وبعدها عن واقع منطقة الشرق الأوسط، حيث  زادت من الطين بلة. ليس بالإمكان لأيٍّ كان من القوى في الشرق الأوسط أن تبحث عن حلول منفردة، وأن تكون خارج إطار المشاكل العامة. من المهم البحث عن الوحدة والصيغ المشتركة للحلول من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى الدفاعية. هذه من أهم المتطلبات الملحة في المنطقة. علينا إذاً، والحال هذه، وضع صيغة كونفدرالية للحل، تستطيع جمع كل الأطياف في داخلها. بهذا الشكل يمكن للشرق الأوسط التخلص من مشاكله، بوصوله إلى نظام كونفدرالي ديمقراطي.
إن نظام الكونفدرالية الديمقراطية دارج أيضا لأجل حل مشاكل الشرق الأوسط المتفاقمة على الصعيدين التاريخي والاجتماعي. ففرضيات النظام الرأسمالي والقوى الإمبريالية لا يمكن أن تطور الديمقراطية. بل إن التدخل الإمبريالي في المنطقة ليس إلا محاولة لإخراج النظام الرأسمالي من حالة الفوضى التي يتخبط فيها. الشرط الأساسي في النظام الكونفدرالي الديمقراطي هو سيادة الخيار الديمقراطي المنبثق من الأسفل. إنه نظام يعترف بالفروقات الأثنية والدينية والطبقية على الخلفية الاجتماعية.
مشروع الحل الكونفدرالي الديمقراطي للشرق الأوسط لا يحمل في طياته أي توجه نحو السلطة أو الدولة. الكونفدرالية الديمقراطية تعني الوطنية الديمقراطية. والوطنية الديمقراطية تعني ديمقراطية الشعب. إنه نوع من التنظيم الرخو، ويعبِّر عن نظرة جديدة إلى الاشتراكية بجوهر المساواة والعدالة والحرية في ذات الوقت. بإمكان الشرق الأوسط التوجه نحو الكونفدرالية الديمقراطية، كما هو حال أوروبا اليوم. الشرق الأوسط بميراثه التاريخي الغني ملائم للكونفدرالية.
توجد العديد من التعريفات للكونفدرالية وأشكالها. أما الشكل الذي نعتمده من أشكال الكونفدرالية، فهو الكونفدرالية الديمقراطية. إنها نظام بديل لنظام الدولة. إذ لا تعني اتحاداً بين عدة دول، كما أنها ليست وسيلة للوصول إلى السلطة. إنها نظام يتخذ من تنظيم المجتمع السفلي هدفا، ويمثل المجتمع بكافة شرائحه وفئاته، حيث أن نظام الدولة يمثل طبقة معينة ومنظمة للمجتمع العلوي. يستند النظام الكونفدرالي الديمقراطي إلى براديغما المجتمع الايكولوجي الديمقراطي، وقيم المجتمع المشاعي الطبيعي، والتحرر الجنسوي. فحياة الشعوب الشرق أوسطية دامت، وعلى مدى تاريخها الطويل، اعتماداً على النظم الأثنية، التي تحمل في طياتها المساواة وقيم المجتمع المشاعي الطبيعي. من جانب آخر، يستند النظام الكونفدرالي الديمقراطي إلى مجالس المواطنة الحرة ومؤسسات المجتمع المدني بكافة أشكالها، من جمعيات ونقابات ونوادٍ وبلديات ومؤتمرات شعبية عامة. إذ أنه يعتمد على الديمقراطية المباشرة في تنظيم ذاته من الأسفل إلى الأعلى، على شكل تراتبي رخو في الأعلى، ويكون مركز القرار هو القاعدة الشعبية في الأسفل.
النظام الكونفدرإلى الديمقراطي يسعى إلى خلق ثورة ذهنية عصرية. أي أنه إصلاح مجتمعي عام وشامل، يحقق التوازن بين الفرد والمجتمع. كذلك يسعى إلى تطبيق مبدأ الاتحاد الحر بين الشعوب والقوميات في الشرق الأوسط، ويتخذ من الاكتفاء الذاتي أساساً في اقتصاده الذي يعتمد على المشاطرة والمشاركة العامة.
إن نموذج الحل الكونفدرالي الديمقراطي لا يعطي مجالا للعنف والانقسامات. فهو طراز يعتمد على الطواعية في بنائه، ويأخذ مشروعيته من الأسباب التاريخية والاجتماعية التي تعتبر الأرضية الصلبة لهذا النموذج الذي يلعب فيه الشعب الدور الأساسي في البناء والتطوير. بتعبير آخر، فإن الحل الكونفدرالي الديمقراطي هو الشكل الأنسب للتوافق والتعايش بين الموزاييك الثقافي و الأثني للشرق الأوسط بتداخلاته وتنوعه اللغوي والديني. هذا الطراز يمكنه حل المشاكل والقضايا، ومعالجة الظواهر العديدة القائمة في المنطقة، ويحمل على كاهله مسئولية التخلص من الأنظمة اللاديمقراطية والأوتوقراطية والثيوقراطية السائدة في المنطقة.

المفكر علي فرات

awsat

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>