2017/12/14 - 1:01 م
الرئيسية » الرأي » السوريون بين لامركزية الحل و الديمقراطية المفقودة

السوريون بين لامركزية الحل و الديمقراطية المفقودة

السوريون بين لامركزية الحل و الديمقراطية المفقودة
بقلم : د. علي الباشا
——————————————————————–
السوريون في مشكلة عصية و العالم يتفرج ، قد يغضب من أجلهم أحياناً ويتعكر مزاجه ثم يدير قناة التلفاز أو يزيح الخبر المزعج بإصعبه وينتهي تعاطفه بلحظة .. كل هذا ويأتي من يصب الزيت على النارمن فنادق الخمس نجوم و الحياة المخملية بعبارات طنانة منمقة يدين فيها النظام ثم يثني على التكفيريين الذين إن كان بينهم لقتلوه.. و هكذا تظل سورية تحترق ، ويظل المنتفعون يكنزون الذهب و الفضة وفكرة (اللاحل) هي السائدة! وحين يُطرح المشروع الديمقراطي ينبري الكثيرون في تخوينه بحجة أنه يطرح مشروع لتقسيم سوريا.. وهذا إجحاف يقيني بحقيقة سوريا التاريخية وارثها الحضاري.

إن جوهر اللامركزية – وإن طرحت- ينطوي على إعادة تكوين الدولة سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً و ثقافياً ، مما يعضد بناءها ويجعلها قادرة على التفاعل و التأثير في المجتمعات والأفراد من جهة ، أو في الدولة السورية كبناء وجودي و الفضاء العالمي من جهة أخرى.
هذا التطلع نابع من واقع الحال ومصيرالبلاد الآيل إلى مزيد من الاستمراء في الفناء البطيء. لعله يدرك من يتطلع إلى أقرب الحلول أن الأجدى هو طرح لامركزية الحل لقطع الطريق أمام حفنة البدو و تزكية لدور الدول العظمى الفاعلة لمثل هذا الحل في سوريا! فالمغايرة في الحلول تتأثر طرداً في استمرارية الأزمة إلى ما لا نهاية و تفشل تباعاً.

النظر بموضوعية إلى سورية ديمقراطية يجعلها ” أمثولة ” لبناء وطن نموذجي كفيل بأن يكون نبراساً يحتذى به بين الدول الأخرى، و قد تجسّد الحالة الديمقراطية البديل الفاعل في حل مشاكل دول الشرق الأوسط التي يؤججها العابثون باستقرارها في كل حين و آخر.. فالوضع الليبي و العراقي من قبل و الآن الوضع اليمني دليلاً ملموساً وواقعاً كئيباً يعكس خيبة أمل عريضة بين الشعوب.. من هذه الرؤية تلتزم القوى الموجودة على الأرض بمحاربة الإرهاب بكل أشكاله وتسعى مع الدعم السياسي الدولي إلى تمكين هذا الواقع رغم كل العوائق المحيطة به .

من جانب آخر يبذل المنتفعين و المرتزقة قصارى الجهد لإبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه و يحاربوا الحل الديمقراطي لمعرفتهم أنه يضمن تماسك الدولة السورية بكل أطيافها وطنياً و إقليمياً ودولياً بمبررات علنية مجلمها اصطفافهم مع خفافيش الظلام الذين أغدقوا عليهم أموالاً أعمت بصيرتهم حتى قال معارضاً يدعي الوطنية: ( إن رضا قطر عندي أهم من البلدات الأربعة ” كفريا و الفوعه و الزبداني ومضايا ” ) والأصابع تشير إلى رياض حجاب الذي يلعب دور البيدق..ولم يستح معارضاً آخراً أوغل في التشفي من سورية وكأن بلاده عدوه بقوله: (يجوز قتل الجنين لتعيش الأم)… والجنين بالطبع هي سوريا…

إن المخاض العسير الذي تمرفيه سوريا يدفعها إلى قعر الهاوية و كذا التدخلات السافرة والخارقة لسيادة الدول و حقوق الجوار ضاربة احترام الحدود و المواثيق بين الدول عرض الحائط، مُعزَزاً بارسال البعثات التكفيرية التي أوغلت بالتدخل في الشأن السوري مدعومة من ممالك الكره والبغضاء و الرجعية تلك التي تسعى من خلالها إلى وضع – سورية الشام التي حكمت يوماً ما بين الصين و اسبانيا – تحت وصايتها وتبعيتها الرخيصة من خلال أزلامها و صعاليكها!!!

ينبغي على السوريين أن لا يجعلوا الشطط في المنفعة الذاتية و القولبة الشخصانية تعرقل طموحهم في تقرير مصيرهم إذ عليهم التوصل بقناعة راسخة إلى قرار صلب يمنح فرصة فريدة لاستقلالية السلطة السياسية والقضائية و الإدارية باعتبارها قوة ديناميكية مرنة و رحبة تجعل سوريا أكثر توازناً و حيوية… وتشتمل هذه الديناميكية على تقاسم المسؤوليات ضمن تفاهمات بين السوريين سواء بالاقتراع أو بالعقد الاجتماعي وترجمتها إلى واقع عملي يساعد على إدارة الدولة بجود ة البلدان المتطورة تلك التي تعتبر إسعاد المواطن و رفاهه من أولوياتها..هذه السلطات على تناغم وانسجام تامّين مع قرارات الدولة وهي على التزام باستمرارية وإجبارية وحدة الجغرافيا السورية كمبادئ فوق دستورية.

التفكير ملياً بالإنسان غاية سامية وفوق كل اعتبار والنظر في كل لحظة على الأطفال الصغار و العجائز من النساء و الرجال لابد أن يعيد الصواب إلى العقول.. ثم النظر إلى واقع السوريين في الشتات و دول المذلة و التشرد والبؤس و الشقاء و حتمية الأمر الواقع ، والمقارنة مع ما هم فيه يجعل من النجاعة السيطرة على الجموح والتراجع الى الوراء قليلاً وفسح المجال أمام الحل رغم هيمنة الأقطاب عليه.

إن طرح اللامركزية ليس هدفاً بحد ذاته بقدر ما هو وسيلة وأداة تحمل الحلول الإيجابية في طياتها لتعايش طويل الأجل و هي طريقة مثلى لإنتشال البلاد من دوائر السوء . هذه الحالة المصيرية لا تلغي البصمة الوراثية لأرومة الدولة السورية أو البعد الاستراتيجي و الاقليمي لها بقدر ما ترفدها بأجود القرارات التي تساهم على تقوية الحالة الديمقراطية ضمن مفهوم التضامن المصيري و الحتمي بين مكونات الشعب السوري، مع مراعاة التوازنات التي تحترم معادلة التقارب وبلورته على أساس محاكاة مفاهيم الغرب الغارق في التوجس من مصير سوريا المستقبلي.

هذه الآلية السياسية يجب أن تحفز السوريين على التلاقي من أجل صياغة دستور للبلاد بهيكلة قانونية فاعلة تمنح سورية حياة جديدة بثوب عصري جديد يضمن للجميع حقوقه ومستحقاته.
1187051_609016915844048_2126324750_n

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>