2017/06/26 - 3:06 ص
الرئيسية » الرأي » المرأةُ السّوريّةُ عراقةُ الأصلِ ووجعُ الحاضرِ

المرأةُ السّوريّةُ عراقةُ الأصلِ ووجعُ الحاضرِ

 

إنْ كانَ قدْ غفلَ جمعُ الذكورِ عنْ دورِ المرأةِ في التاريخِ الإنسانيّ واستعبدوها في حاضرها، ورَأَوا فيها ضلعاً قاصراً، فإنّ ذلك لا يُلغي تاريخَها الضّارب في عمقِ التاريخِ والحضارة، وإنْ كان للفخرِ بابٌ يجبُ أن يُطرَق فهو بابُ المرأة.

والمرأةُ السوريّةُ هي حفيدةُ اللّائي صنعْنَ العلاقة الأولى بين الأرض والإنسان، وكنّ سيّدات الثّورة الزّراعيّة، فامتلكن ناصيةَ الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهي التي روّضت ودجّنت الحيوانات البريّة في سهول وجبال الهلال الخصيب أو الذّهبيّ كما يحلو للبعض تسميته، في الوقت الذي كان فيه الرجل يغذّي غريزة الإجرام في نفسه من خلال ممارسة الصّيد، فأصبحت المرأة إلهةً للخصب والجمال والرّجل أصبح إلهاً للشرّ والبطش.

عشتار وإينانا أكبرُ الأمثلةِ على دورِ المرأةِ في صناعةِ الحضارةِ، لكنْ لم يحلُ للرّجل أنْ تبقى المرأة سيّدةَ هذه الأرض وأنْ يحفظَ التاريخُ إنجازاتها لذا عملَ على إنزالها عن عرشِ ألوهيتها وسرقة منجزاتها واستعبادها، ويتمثّل ذلك بوضوح من خلال سرقة الإله أنكي ماءات المرأة ( أيْ إنجازاتها المائة والأربعة) والتي كانت مُلكاً للإلهة إينانا، وجَعلها مُلكاً للرّجل، ليبدأ عصر انكسار المرأة وسُلطة الرّجل.

لم يكتفِ الرّجل بذلك بل حوّل المرأة إلى غانيةٍ و حَبَسها في المنزل، لتبدأ الحروب، ولينتهي عصر السلام بسقوط الآلهة الأنثى منذ عصر السومريين إلى عصرنا الحالي، فما سمّيت حضاراتٍ لم تكنْ سوى مجازرَ بحقّ الشّعوب وإشباعاً لرغبة التملّك والسّيطرة على خيرات الشّعوب.

كانَ لا بدّ من ثورةٍ مجتمعيّةٍ شاملةٍ تنهي الظلمَ والعبوديةَ وتُعيد الأمور إلى نصابها، وقد رأت المرأة السورية بارقة أملٍ للحريّة من خلال الرّبيع العربيّ، فكانت أوّل من خرج في المظاهرات المطالبة بالحريّة وذلك في 15 آذار 2011 في سوق الحريقة برفقة الأحرار لتشعل بذلك شرارة الثّورة السّوريّة.

وبدلاً من أنْ تكون الثّورة حاملاً فكرياً لنزعةِ المرأةِ التّحرريّة وميلها إلى خلق مجتمعٍ حرٍّ تنتفي فيه العبودية، لكن وللأسف وعلى النّقيض من ذلك وبفعل عدّة عواملَ أهمّها الذهنيّة الذّكوريّة السّلطويّة الّتي ترى السّلطة حكراً على الرّجل بالإضافة إلى الفهم والتطبيق الخاطئين للنصّ الدّينيّ، تحوّلت الثورة إلى عاملٍ ضاغطٍ على المرأة وذلك من خلال خروج الثّورة عن مسارها الديمقراطي ودخولها في ساحات التّناقضات الفكريّة والعقائديّة وتَشتُّت الهدف الثّوريّ بظهور الدعوات إلى إقامة دولة الخلافة أو الوصول إلى دولة ذاتِ طابعٍ دينيّ.

وبالتأكيد ظهور أيّ صيغ كهذه للحكم لن تقود سوريا إلّا إلى دواماتٍ جديدةٍ للعنف شبيهة بالدوّامة التي أنتجتها الدولة البعثية القائمة على الذهنيّة الأحاديّة.

لذا لم تجد المرأة ضالتها في كل ما سبق وتمّ سرقة الثورة منها مجدّداً، بل ما هو أسوأ من ذلك أنّه تمّ استعبادها مجدداً من قِبل الكتل المتصارعة.

فالنظام أدخلها السّجون وحاول إسكات صوتها لأنّها تمثّل الوجه الحقيقيّ للثّورة كما قام بقتل الأخ والزّوج والابن في محاولة لإبقائها وحيدة وجرّها إلى الاستسلام، ولعلّ أوقح ما صدر عن حاشية النظام فتوى شيخهم بضرورة تثنية الزوجات للتّغطية على جرائم النّظام وبحجّة هجرة الشباب، في تشويه صارخٍ للحقائق وتعامٍ عن قدرة المرأة على إكمال مسيرة الحياة وقيادة المجتمع انطلاقاً من دماء الشّهداء وإرادة المعتقلين، وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان المئات من الانتهاكات التي تعرضت لها المرأة في السجون السورية من اغتصاب وتعذيب وإهانات نفسية، أما المرأة التي بقيت في السجن الأكبر وهو سجن الوطن السوري فيتم يومياً سلب إرادتها ومحاولة تدجينها وفقاً لما يتماشى مع الذهنية الذكورية للسطلة، فإمّا أن تكون المرأة بوقاً لأفكار الذكر أو أن تظل أسيرة بطشه وجبروته.

أمّا الفصائل الراديكاليّة بالإضافة لشذّاذ دولة الخلافة المزعومة (داعش) فقد عملوا على انتهاك قدسيّة المرأة من خلال تحويلها إلى جاريةٍ وسبيّةٍ، فسوق الرقة تحوّل إلى سوقٍ للتجارة بالنّساء شراءً وبيعاً والمجاهدون المزعومون في الفصائل الدخيلة على الثّورة لم يكتفوا بنكاح الجهاد بل أباحوا لأنفسهم الحقّ في الزواج من أيّة امرأة تتجه نحوها رغباتهم العفنة وخاصّة من القاصرات اللواتي يُعتبرْنَ بلغة القانون أطفالاً، عدا عن منع المرأة من أبسط ممارساتها الحياتية فصوتها عورة وجسدها عورة، بالإضافة إلى عمليات الختان التي تطال الإناث في ظل هذه السلطة العفنة مما يخلق العديد من المشاكل الصحية والنفسية لدى المرأة ويجعلها غير قادرة على الاستمتاع بالعملية الجنسية لتتحول إلى لعبة لإشباع رغبات المجاهدين دون الالتفات إلى مشاعرها وعواطفها.

بعد كلّ هذا وأمام هذا الواقع المأساوي الذي تعاني منه المرأة السورية في ظروف الحرب الراهنة التي لم تبق حجراً على حجر وكان نصيب المرأة من الجرح السوري نصيب الأسد من الفريسة، لا بدّ من ثورةٍ مضادّةٍ لما آلت إليه سوريا ولا بدّ من ظهور جبهةٍ نسائيةٍ موحدةٍ لإحياء الثّورة السّوريّة النّسويّة وإعادة الحياة إلى هذه الأرض وهذا الشعب.

فالله عزّ وجل زرع الرحمة في قلب المرأة وألهمها الصبر على كلّ ما تمرّ به، فالأم التي استقبلت ابنها الشهيد بزغرودة لن تستلم حتماً، فإرادة النجاح مزروعة في روحها، وأنثى اليوم لم تعد أنثى السنوات السابقة وقد عرفت حقائق الأمور وفهمت كل ما يحاك ضدّها لإبقائها خانعة ذليلة، فالساحة الأدبية تعج بالأسماء النسائية اللائي كسرن بأقلامهن سطوة الرجل على الكلمة وقلن بصوت واضح أن الحياة ناقصة دون امرأة، وفي الشمال السوري نجد المرأة السورية تحمل السلاح في الجبهات الأولى للقتال وترفع رايات الحرية في المناطق التي اكتست يوماً بالفكر الظلامي، لم تعد تخلو ساحة من ساحات الحياة من وجود الأنثى الخلاقة والمبدعة وعلى الساسة في عالمنا العربي والإسلامي أن يدركوا أن سبب فشل سياساتنا هو محاولة إقصاء المرأة عنها، وأكبر دليل هو فشل الهيئة المفاوضة للحل السوري والتي تشكلت في الرياض حيث لم يتجاوز نسبة مشاركة المرأة الواحد بالمئة واليوم نلمس بوضوح فشل الهيئة في التوصل لأية حلول للأزمة السورية، وهذا غيض من فيض، حين ندرك أن مفتاح الحرية والعدالة الاجتماعية في يد المرأة حينها سنكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو النجاح.

بقلم أ.سلام حسين

bf054f44-3de4-4159-9ed8-acd3400fbe1d

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>