الرئيسية » الحائط » استهلاك الجيل وضرورة التوعية الجمعية

استهلاك الجيل وضرورة التوعية الجمعية

استهلاك الجيل وضرورة التوعية الجمعية
بقلم: د. علي الباشا
——————————————————————————-
كثيرة هي العوامل التي تجتر الأجيال المعاصرة في المجتمعات العربية من الحروب التي دارت وما زالت إلى الفقر والإهمال والتهميش من جهة إلى عامل الترف في الطرف الآخر الذي قد يلعب نفس الدور في التنميط الثقافي . تلك المعطيات أفرزت جيلاً اتكالياً من ناحية لجهله بكيفية ما هو كائن و آخر استهلاكياً من ناحية استهوانه لما هو بين يديه . وقد لعب العامل الترفيهي لكلا الطرفين متنفساً صناعياً بين التفريغ والشحن باختلاف الوسائل والتواصل وكان له قدرة فتاكة على السيطرة والاستحواذ و التشويش الفكري و قلب مفهوم الجيل من مُنتِج ثقافي إلى مستهلك إسفافي.
يتبادر إلى ذهننا يومياً آلاف الصور التي تمنحنا القدرة على مواصلة الحياة وتغرقنا بالحب والأمل ذلك أن الصورة منحة إلهية جميلة تحفر اخدوداً عميقاً في الذاكرة ، حينما نستعيدها بألق ما كان المشهد الذي نحبه عليه، وكم من صورجميلة نفتقدها مع تكرار الحوافز الدعائية و تراكم الأحداث المحلية التي شوهت الذاكرة الإنسانية وجعلت منها مكباً للنفايات الإعلانية لدرجة أن المرء بات يشغله الحيز المكاني و الزماني أكثر من أي موروث تكويني لشخصيته.. وقلما يسري إليه خاطر يفتح عليه طيف الذكريات العميقة مع هذا التزاحم اليومي للأحداث المتكررة. ما بدى أظهر أن المرء لا يمتلك القدرة على تصويب ما يريد فعله على الرغم من استبساله في صناعة ذاته المشتتة بين الحاضر القاسي كقوالب الكونكريت والماضي المجيد الذي يستلهم منه جذوة وجوده.
لقد أصيبت الأجيال الحالية بشلل فكري تبرز خباياه في انجرافها إلى الشبكات الاجتماعية التي ليس لها رؤية عميقة في فرز الواقع بين ما يجب أن يكون وبين ما هو كائن و تدور في دوامة فراغية غير هادفة – وهذا لا ينطبق على جميعها- وهي أشبه ما تكون برمال ناعمة تلتهم فرائسها في وضح النهار.. تغوص في التفاصيل الظاهرية و تبعتد عن الجوهرية بهدف تسطيح الثقافة و بسط سيطرتها على روادها ضمن برامج تعزز التبعية و تقوي أثافية الإسفاف والتسخف والنمطية.. وبشكل ملحوظ ساهمت هذه العملية في بلورة منعطفات زركشية باهتة لتجريد بعض الصور الحياتية من جلالها والتي تعد رموزاً راسخة وفرغتها على أسس ومنطلقات استقطابية من وقارها و معانيها الجذابة.. ولا يخلو الأمر أن إعادة تدوير المعلومة بشكل استهلاكي وبعناوين مختلفة لدرجة إرهاق المتصفح و تشتيت تركيزه عن المواضيع المهمة التي قد يبحث عنها، تضعه بشكل عفوي على جادة الاسترسال في التصفح العبثي وتسهل له قراءة المواضيع الهابطة التي لا تتطلب ذاك الجهد الذهني والقوة المعرفية. هذه الآلية مدروسة جيداً لصناعة شريحة واسعة من محدودي المعرفة ، يسهل ابتلاعهم في قضمة واحدة و إغراقهم في قطرة واحدة و استهلاكهم وإعادة تدويرهم ثقافياً.
إن الدول التي نعتبرها متقدمة سبقتنا بالقراءة التي أسدلنا عليها ستار جهلنا بالكذب على أنفسنا و محاربة تخلفنا بالزعامات الورقية و البطولات الوهمية… حين جاء الاسلام كانت قريش تحاجج المجتمعات في العمق المعرفي و المعلقات على جدران الكعبة دساتير ثقافية لمجتمع كان يتبارى في قراءة ذاته ، و عكاظ لم يكن سوق أمتعة و عطور و أطياب بل لعرض السلع الثقافية التي عشقها “متنبي ألمانيا” ” الشاعر غوتيه” و أثنى على هذا المجتمع الذي جمع بين سمو “الكلمة” التي ينطق بها اللسان و تلك التي تحملها الروح.
إن إعادة الصورالحقيقية التي ترسم خارطة الطريق للأجيال تقع على عاتق النخب المثقفة والتي يجب أن لا ينحصر دورها في صناعة الثقافة فقط ، بل في كيفية توجيهها للاستفادة الجمة من مناهلها وتصوير محاسنها وموجبات تناولها وكيفية التعاطي معها وضرورات انعاكسها على الحياة الفردية و المجتمعية.. إن المفاهيم التي على أساسها يبنى الفكر الإنساني يمكن حصرها في جملة الوعي الثقافي والحضاري لكل مجتمع ولا يمكن فصل الأجيال المتتابعة عن الثقاقة الجمعية فكلها تشكل بوتقة حضارية ممتدة الجذور والفروع .. و إن انقطع أحد الأجيال – كما هو حاصل الآن- عن حبل الموروث فيمكن ارجاعه لعوامل عديدة منها الفشل الثقافي و الاجتماعي و السياسي.
ذلك أن الجيل الغير مرتبط بثقافته و بعده الاجتماعي ، جيل استحل لنفسه الغوغائية ورضي بها طريقاً حياتياً جديداً ..فمن المسؤول عن هذا التردي؟ تكمن أسباب عديدة وراء ذلك منها المفاعلات الدينية التي ساهمت إلى حد بعيد في الانفصام بين الحقيقة و الوهم و المستحيل و الممكن، وصورت مفاهيم المحرمات بصوراستعباطية إلى درجة التندر ، فكل شيء محرم و ممنوع و مستضاق ما سهل الطريق لنفورجيل الشباب من اللاءات الدائمة والعزوف عن الضوابط و استهضامه لعالم “السايبر” الذي يستهلكه كثقب أسود عالي الجاذبية.
ختاماً نحن بحاجة إلى وقفة توعوية مستدامة عمودها الفقري العودة إلى “القراءة ” و اعتبار هذه القراءة وسيلة و ليست غاية ، ولنا في أوروبا خير مثال فالنشئ الجديد ومع كثافة الوسائط التقنية تراه متمسكاً بكتابه في القطارات و الحافلات و البيوت و المكتبات ولا فرق بين صغيرهم و كبيرهم في ذلك.. فالكل في القراءة سواء، أوليس من الأولى لهم أن يهجروا الكتاب وهم من اخترع هذه الوسائط والشبكات

24 / 4 / 2017

1187051_609016915844048_2126324750_n

شاهد أيضاً

물론, 그녀는 프린스턴과 하버드

물론, 그녀는 프린스턴과 하버드에 갔고, 나는 모든 것을 점을 찍었고 그녀는 십자가를 쳐야한다는 것을 알지도 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *