أخبار عاجلة
الرئيسية » مركز أبحاث » دراسة حول الديمقراطية و المجتمع الديمقراطي المعاصر  
د

دراسة حول الديمقراطية و المجتمع الديمقراطي المعاصر  

 

أولا – مفهوم الديمقراطية وأسلوبها : كلمة يونانية تعني حكم الشعب ، وقد تطورت المفاهيم حول كيفية تطبيق مبدأ حكم الشعب نفسه بنفسه ففي حين كان اليونان يرون أن حكم الشعب ديمقراطيا لا يمكن أن يتم إلا بواسطة سيطرة طبقة النبلاء وحرمان العبيد والعامة من الحرية أو ممارسة أي حق في الحكم ، أصبح مفهوم الديمقراطية يعني في الوقت الحاضر إعطاء الحرية لأوسع طيف من الجماهير  من اجل مشاركتها الفعالة في حكم نفسها بنفسها عن طريق إرسال ممثليها إلى المؤسسات السياسية.

 

أعتقد بأن الديمقراطية  لا تتحقق إلا من خلال تحقيق أصلها ومعناها المتجلي بــ “حكم الشعب ” ، و يتحقق ذلك بإدارة نفسه بنفسه عبر إدارات ذاتية ديمقراطية لكل مجموعة على حدا فتمثلها و تحقق وجودها ؛ أي تطبيق نظام ديمقراطي اجتماعي الخاصية و ذلك بديلا عن الديمقراطية الليبرالية التي يكون فيها الشكل الديمقراطي ذو طابع سياسي اقتصادي أكثر من كونه اجتماعي أو بالأحرى غير اجتماعي أصلا ، إذ أن الليبرالية تقوم على أساس استقلال الفرد الذات واحترام الحرية الشخصية وحماية الحريات السياسية بعيدا عن القيم الاجتماعية التي هي أساس الديمقراطية الاجتماعية .

 

فالليبرالية التي تقوم بالسعي إلى أقصى درجة من الحرية الفردية تؤثر سلبا على شروط انبثاق الحرية الحقيقية المرتبطة بالقيم الاجتماعية كالعدالة و المساواة , وهكذا يمكن لليبرالية أن تتحول إلى عائق أمام الديمقراطية لأنها تتجاهل قيم العدالة والمساواة وتتيح للدولة التدخل عوضا عنها .

 

ثانيا – أسس الديمقراطية : أن الحريات الفردية والجماعية أساس الديمقراطية وغايتها لكنها لا تتحقق من دون تأمين شروط أخرى ، إذ أن هذه الحريات التي تشكل جوهر الديمقراطية لا تنفصل عن القيم الإنسانية و بناء على ذلك يجب العمل على اصطلاح السياسة الديمقراطية حيث إن السياسة الديمقراطية يجب أن تكون سياسة ديمقراطية للمجتمع بحد ذاته ” مؤسسات المجتمع المدني ”  لا أن تكون سياسة ديمقراطية تنحصر بالسلطة الدولتية ” المؤسسات السياسية الاستغلالية للمجتمع”  .

 

ثالثا – الاستبداد الديمقراطي : حسب رأيي لا يمكن تطبيق مبدأ الديمقراطية في الأنظمة ذات الطابع الأحادي والشمولي مثل “الأنظمة القومية أو الدينية”  فهي تحد من تحقيق الوجود السياسي و الاجتماعي و الثقافي لدى مجموعة الفئات الأخرى التي تكون بدورها الأقل تمثيلا ، و إذا ما طبقت الديمقراطية في هذه الحال كانت النتيجة هي عملية استبداد عن طريق الديمقراطية .

 

كما يتم الاستبداد الديمقراطي أيضا عندما يكون مبدأ الأغلبية هو من يحدد قواعد عمل المؤسسات الديمقراطية ، فـإن الرأي العام هو من يقود السياسة العامة للمجتمع ، هكذا و نتيجة العودة دائما إلى الرأي العام نكون قد فقدنا جزءا من الهوية الوجودية للأقلية لصالح الأغلبية ، وبالتالي بإمكان الأغلبية أن تسحق الأقلية وتقلل من مساحة الحرية الشخصية لها

 

رابعا – آلية التحرر الديمقراطي :

 

إن آلية التحرر تكمن في تطبيق أسس الديمقراطية التي ذكرناها سالفا فالديمقراطية  لا تتحقق إلا من خلال تحقيق أصلها ومعناها المتجلي بــ “حكم الشعب ” ، و يتحقق ذلك بإدارة نفسه بنفسه عبر إدارات ذاتية ديمقراطية لكل مجموعة على حدا فتمثلها و تحقق وجودها .

 

و ترسيخ الحريات الفردية والجماعية التي هي أساس الديمقراطية وغايتها العمل على اصطلاح السياسة الديمقراطية حيث إن السياسة الديمقراطية يجب أن تكون سياسة ديمقراطية للمجتمع بحد ذاته ” مؤسسات المجتمع المدني ”  لا أن تكون سياسة ديمقراطية تنحصر بالسلطة الدولتية ” المؤسسات السياسية الاستغلالية للمجتمع”  .

 

كما يجب العمل على أنشاء دستور ديمقراطي يستند على أسس ومبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية و إقامة الوطن المشترك الديمقراطي الذي يحقق ارتباطاً أوثق بين مكونات المجتمع  جميعا، أي النظام الاتحادي الديمقراطي بدلا من الأنظمة الأحادية الشمولية و الأنظمة الاقتصادية المنتجة للفردية و الفوضى .

 

خامسا : المجتمع الديمقراطي المعاصر

 

مع انهيار الحركات القومية ووصول أنظمتها بالمجتمعات الشرق أوسطية إلى طريق مسدود لا تستطيع هي نفسها أن تنكره ، تتنامى في أوساط الرأي العام، و في أوساط الرأي العالم العالمي أيضا، نزعة عدائية تجاه البرامج والشعارات والأهداف التي استحوذت في الماضي القريب على عقول الناس وأفئدتهم لعقود طويلة , كالبرامج النمطية كالإصلاح أو الشعارات الكلاسيكية كالوحدة والدولة القومية و ما إلى هنالك من شعارات فضفاضة باتت محظورة في الذهنية المتشكلة حديثا.

 

وطرحت الكثير من مشاريع التغيير  لتحسين الواقع السياسي و الاجتماعي وسنخص بالدراسة اليوم المشروع الديمقراطي في شرقنا الأوسط , ولعل الأهمية تكمن في ضرورة الانتقال السياسي لما شهده الشرق الأوسط من ثورات واحتجاجات شعبية وصل إلى جحر السلطة السياسية و تغييرها .

 

عبر الفكر الديمقراطي حديثا إلى الشرق الأوسط و لم تترسخ مبادئه اجتماعيا و لا حتى سياسيا إذ كانت عبارة عن أصداء خالية تقرع في أذهان الشعوب دون أي تأثير يذكر ويعود السبب للتعاطي الشكلي و الظاهري للديمقراطية بعيدا عن معناها الحقيقي إذ لم تطبق مبادئها و  لا حتى أسسها و لم يعمل عليها حفاظا على المصالح الأوليغارشية و ضمانا لبقاء السلطة المركزية وهيمنتها و  بالإضافة لذلك تزويدها بجرعات من الخطاب الديني التعبوي المحرض على العداء للنظام الديمقراطي كونه غربيا باعتقادهم إلا  أنني اعتقد بان الديمقراطية ليست نظاما غربيا خاصا ولا نحو ذلك بل نتاجا إنسانيا ساهمت فيه البشرية ، عبر تاريخها الطويل ، إذ أن أي أساس حضاري لا يمكن أن يخلق على حدا ، فالنظم الحضارية جاءت نتيجة سلسلة حضارية متواصلة ، و اعتقد بان الحرية التي هي أساس الديمقراطية إنما هي  الوسيلة الوحيدة للحفاظ على المبادئ الأخلاقية و الدينية بعيدا عن التزوير الذي تعاني منه نتيجة تدخل المصالح السياسية فيها.

 

نعود إلى الديمقراطية حيث كما ذكرنا مسبقا بان الديمقراطية هي سلطة الشعب غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو : أي شكل من أشكال الحكم يمثل سلطة الشعب ، كيف يقوم الشعب بحكم نفسه  …؟

 

اعتقد بان الديمقراطية الحديثة يجب أن تتركز و تنشأ على السلطة الاجتماعية وذلك لضمان مفهومها المتمثل بحكم الشعب ، والسعي بتغذيتها بالمبادئ و القيم الإنسانية ، وتحويل مركز نشاطها من دمقرطة الدولة و السلطة المركزية نحو دمقرطة المجتمع و السلطة الاجتماعية ، إذ أن الممارسة الديمقراطية السليمة تفترض دمقرطة المجتمع بحد ذاته وليس دمقرطة السلطة السياسية .

 

كانت المرحلة الأولى لظهور الديمقراطية تتجلى في مرحلة الدولة الديمقراطية في العهد الماضي لدى الغرب ، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة المجتمع الديمقراطي بحد ذاته ، أي توطيد مبادئ الديمقراطية في ممارسات الفرد و الجماعة معا ، كما أنه يجب على المجتمع الديمقراطي أن يتمتع بشروط و قيم إنسانية أولها الحرية الفردية و الجماعية إذ أن الحريات الفردية والجماعية صلب الديمقراطية وغايتها لكنها لا تتحقق من دون تأمين شروط ومبادئ أخرى وهي العدالة والمساواة الاجتماعية ، كما جرى تعريف الثقافة الديمقراطية على أنها المساواة ، إذ أن الديمقراطية تستلزم هدم نظام مراتبي ورؤية كلية للمجتمع و استبدال الإنسان المراتبي بالإنسان المتساوي على حد تعبير لويس ديمون . ولكي تكون المساواة ديمقراطية يجب أن تعني حق كل فرد  في أن يختار وجوده الخاص ويدير شؤونه لكي لا تكون الديمقراطية مهددة بسلطة الأغلبية.

 

كما لا يقبل الفكر الديمقراطي المعاصر بالمسلمة القائلة بأن احترام الحريات الفردية يقود حتماً إلى تحقيق القيم الإنسانية المطلوبة كما تقودها الليبرالية، إذ يمكن لليبرالية أن تتحول إلى عائق أمام الديمقراطية لأنها تعمل على تجاهل قيم العدالة والمساواة ، فأي معنى للحرية من دون عدالة ومساواة فعلية لا يمكن أن تقود للديمقراطية.

 

أما الإشكالية الأعقد في الديمقراطية هي اعتبار الأفراد ناخبين و ليس صناعا للقرار السياسي فالديمقراطية لا تعني تحويل الأفراد في المجتمع ما إلى مجرد ناخبين لا خيار لديهم سوى الاختيار  بل العكس تعني أن يشكلوا وحدات و مؤسسات سياسية و إدارية طبقا للإرادة الفردية ومن ثم المجتمعية ، و بهذا يكون الفرد قد ساهم بتشكيل سلطته السياسية المنشودة لا أن يكون مساهما باختيارات حرة بين تيارات سياسية لم تنطلق من الذات و  الإرادة الحرة .

 

لا يمكن للسياسة الديمقراطية التي تعطي اكبر حرية لأكبر عدد ، فتحمي أكبر تنوع ممكن و تعترف به بل السياسة الديمقراطية  سياسة تمثيل الأفراد في الحكم عن طريق إدارات ذاتية لكل مجموعة و انتخاب هذه الإدارات كل على حدا دون التعرض إلى نظام انتخابي شامل يبرمج القرار وفق صالح الأغلبية , أي انطلاق القرار السياسي من القواعد الاجتماعية و  التي تقوم بدورها عن طريق إدارة شؤونها بنفسها دون تسلط الأغلبية على حياتهم السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية.

 

أخيرا : لا يمكن أن تقوم ديمقراطية بلا مساواة سياسية ، فهي المقدمة اللازمة أو الضرورية للمساواة الاجتماعية. فالدولة لا تكون ديمقراطية إلا إذا كان القانون فيها واحداً يسري على جميع المواطنين بلا استثناء ولا تمييز ، وكان جميع المواطنين يشاركون في شؤون الدولة والحكم,  وما الديمقراطية إلا سياسة الاعتراف بالآخر ، كما قال شارل تايلور.

 

عضو التحالف الوطني الديمقراطي السوري فرع منبج : أنس أحمد

د
د

 

شاهد أيضاً

تنظيم “الدولة الإسلامية” يعدم أكثر من 4600 شخصاً خلال 32 شهراً من “خلافته” في سوريا

وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال الشهر الـ 32 من إعلان تنظيم “الدولة الإسلامية” لـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *