2017/10/21 - 10:22 م
الرئيسية » وجهة سورية » منبج / صاحبة الجلالة

منبج / صاحبة الجلالة

قد يسأل سائل ما هي النيافة في منبج عن مثيلاتها لتكون – ربما- بهذه الأهمية وكأنها قسيمة في شأنها خصيمة في تنازعها وليس فيها من الآثار العظيمة الظاهرة أو المنارات العامرة لتجعل منها معبودة الجماهير وتحفة القناطير.
إن الأهمية لا تكمن في الموقع الجغرافي رغم أهميته وهي صدر بلاد الشام حين عبور الفرات وأول مدنه ولم ينعتها هارون الرشيد بمدينة العواصم إلا لأنها كذلك .. ورغم أنها ضاربة بجذورها في تربة الأقدمين من الحثيين إلى الآراميين واليونان و الرومان واكتسابها مكانة روحانية ودينية أهلّها أن تكون قبلة الحجيج وفاتيكان الشرق ومنارة العلوم ومختلف الطائفين والمتعفّين. فإن التساؤل يبقى قائماً هل يدرك هؤلاء الذين يولونها تلك المكانة دوافعهم تجاهها؟ وتأتي الإجابة أن سراً عجيباً وضعته الطبيعة فيها، وكأنها تحمل في جيناتها هيبة الملكات و عنفوان السيدات و سطوة العاشقات ، فيتعلق بها واردها إذا ما زارها أو ساكن دورها وبويتاتها أوشرب ماءها و اشتم هواءها ومشى على ترابها ، ليذود عنها حباً ويحميها كرامة بدراية أو دون دراية.
فمن حق قديسة المدائن أن تتربع على القلوب وتنسج باسمها تاريخ ممزوج بعبق قدسية الشرق تاريخ ليس له مثيل جعل منها منقبة المدن ومفتتن الاختلاف و موطن المسرة.
إنها منبج التي حيكت باسمها الأساطير والحكايات ، وسرى القول أن فيها طوية من الاعتقادات وقعت على بعضها لجلاء ما في شأنها من عظمة و عجائب ربانية أقر ناظرها ارتباطها بالقداسة واعترف لها بالرياسة.
من هذه المعتقدات لدى الأقدمين:

المعتقد الأول (عند قدماء اليونان و الرومان):
منبج هي سرّة الأرض:
يعتقد أهالي هيرابوليس (منبج) أن السر الأكبر الذي جعل من منبج بهذه الأهمية أن ثقباً كبيراً جداً صار فيها و ابتلع مياه الطوفان العظيم ، طوفان نوح (ع) و انتبه لذلك ديكاليون وابتنى معبد (هيرابوليس) العظيم فوق ذلك الثقب تعظيماً فهو سرة الأرض و صمام أمانها ، وإذا ما انفجر ثانية خرجت تلك المياة كلها من منبج و غمرت الأرض.هذا الاعتقاد نسبياً يشوبه بعض الصحة إذ أن التشابه بين اسم منبج و ارتبابطها بماء – بج يجعل منها قريبة من ذلك. ويروي لوقا السمسياطي أن السوريين و أهل الجزيرة كانوا يجلبون المياه من البحر في كل سنة مرتين لإعادة ذات الحدث للمؤمنين وتذكير الإنسان أن خلاص أهل الأرض من ماء الطوفان يكمن في هذا الثقب العجيب في” منبج”.

المعتقد الثاني (عند أوائل المسيحية)
** الماء المقدس في منبج:
جاء في الموروث المسيحي اعتقادا أن في منبج (عين ماء) يُبرء أي مريض ويجدد فيه الحياة، وهو معتقد يكرس القداسة لهذه المدينة ومفاده ” أن ماؤها مقدس ، لأن ملاكاً كان ينزل أحياناً في البركة ويحرك الماء، فمن نزل أولاً بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه”(الاصحاح الخامس، انجيل يوحنا، المعجزة الثالثة: المسيح مجدد الحياة).

** المنديل المقدس و القرميدة المقدسة في منبج:
في رسالة أرسلها السيد المسيح (ع) إلى أبجر ملك الرها حملها تلميذه حنايا ، مرّ بمنبج فأخفى المنديل المقدس تحت قرميدة قبل إيمان أهلها وحين هولوا عليه بالقتل رفع القرميدة فأبصر أهل منبج إعجاز الصورة المقدسة لوجه السيد المسيح على المنديل و القرميدة . بعدها في سنة 33م جاء الملك نقفور وبنى عليها اليونان بمنبج بيعة ، وأخذها من أهل منبج.
إذن أول ما ارتسمت صورة السيد المسيح لملامح وجهه كما هي متداولة الآن في العالم المسيحي في قرميدة منبج .. فأي قداسة يا منبج تحملين في شعابك و ثناياك.!

** تحطيم الأصنام في منبج:
أما في المعتقد الارثودزكسي، فقد قام القديس أفركيوس أسقف هيرابوليس(منبج) وهو القديس المعادل للرسل حسب المعتقد في عام (161م) والذي عاش في عالم وثني تكرم فيه الناس الأوثان وقد راعه هذا وبكى فحضره ملاك الرب ثم حطم الأصنام وقال للحراس أن الآلهة اصطرعت فيما بينها و هرب (وهي نفس الرواية في القرآن الكريم عن ابراهيم ع) وحين وصل روما واشفى ابنة الملكة عرضت عليه الهدايا ورفض وطلب قمحاً لفقراء منبج .. ويقال أن روما ظلت تقدم القمح إلى منبج من عام 161م إلى عام 363م.. وكذلك طلب بناء مستشفى في منبج (وقد بنيت منذ ذلك الحين).

** منبج مركز الفكر و الفلسفة اليونانية:
يذكر في عام 163م أن الشاعر و الكاتب و الفيلسوف برديصان قد درس في منبج أصول الفكر الديني والفلسفة اليونانية على يد الكاهن الآرامي قدوس وتعلم اللغتين اليونانية والعربية ((ملاحظة ازدهار تعليم اللغة العربية في منبج عام 163م)) كذلك نهل تعلم الديانة الفيثاغورية في منبج التي تهتم بدراسة الفلك و النجوم.

** الاعتراض على تماثيل الكنائس:
أول من اعترض على وجود ايقونات في القرن الخامس الميلادي (488م) هو خينائياس أسقف منبج ومازال هذا الاعتقاد سائداً لدى بعض المسيحية وأصله من مجتهدي أهل منبج.

المعتقد الثالث(في الارث الاسلامي):

** منبج وفتية الكهف:
جاء في أحد التفاسير أن (المدينة) في تفسير سورة الكهف هي منبج و يكفي منبج افتخاراً أن يأتي ذكرها في هذا التفسير : ” (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) قال مقاتل: (المدينة) هي منبج، أخرجه ابن جرير” (مفحمات الأقران في مبهمات القرآن- المؤلف: السيوطي).هذا التفسير لا يخرج عن أهمية منبج امتداداً للمكانة الروحية الجليلة التي تستبغ بها.

** رسوم المستجاب:
ما هو السر الكامن وراء ذلك المكان الذي أومأ إليه أبوفراس الحمداني ذلك المكان الذي يقف فيه المرء في منبج و يدعي و يستجاب له فيه ، هل هو شعر شاعر أم رسم من الرسوم ذات القداسة نفسها التي قد تكون كذلك.
“قف في رسوم المستجاب ** وحي أكناف المصلى”
مثل هذا المكان يحتاج إلى وقفة بحث وتحري في رسوم منبج لعلنا نهتدي إليه ونتحراه (ولم لا) وقد حط في سرها العلامة الشيخ عقيل المنبجي ورقد فيها.!!

من هنا أمكن القول أن هذه المعتقدات إلى جانب حوادث وأحداث و تفاصيل كثيرة وقعت في منبج جعلت منها وحدة متكررة وطاقة روحانية عالية تعتمر بوهسها القلوب اللاهجة بحبها.
وما التهافت إليها في العصر الحالي إلا من هنات تلك القداسة التي تمتعت بها في غابر السنين. وكيف لا وقد وقف على ذكرها زعماء الدول في خطاباتهم ومؤتمراتهم و تناولتها وسائل الاعلام العالمية ، ولازالت ينظر في شأنها الكتاب والمحللين ويختلف في دوائرها الساسة والمفكرين ، وماهي بنظرهم إلا مدينة سورية وقد تشابهت عليهم المدن، وهي بنظرنا صاحبة الجلالة!.

من صفحة الدكتور علي الباش .

6 – 9 – 2016

119445_2010_08_25_12_49_06

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>