الحائطالرأي

داعش لم ينتهِ بعد لأنّه فكر وأيديولوجيا .

الفكر المتطرف لايزال متفشياً في مجتمعاتنا وسيستمر، ولن ينتهي إلا بإحداث تغيير جذري في البنية الفكرية لمجتمعاتنا البشرية، فقد يكون داعش إحدى مراحل الإرهاب وربما تعقبه أشكال أخرى من الإرهاب أكثر تطرفاَ وإرهاباً، فأصحاب الياقات البيضاء الذين حرضوا وعملوا على صناعة داعش والقاعدة هم أكثر إرهاباً من داعش.

كما أننا لانزال محكومين بفكر استبدادي سلطوي ومتطرف لايقبل الآخر، وحتى لايقبل الرأي الآخر ولايتفهم الشراكه في الحياة ولا الأخوة التي تجمع الجميع على هذه الأرض، بل يريد أن يفرض رأيه ولونه ومعتقده ولغته وعاداته على الآخرين وعليه يصوغ القوانين التي تتماشى مع رؤيته ويمارس كل أشكال الإرهاب في سبيل إرضاء غريزته السلطوية ومصالحه الخاصة.

نحن لازلنا في عصر يكاد يكون فيه الفوضى والنفاق سيد المواقف، رغم التطور الذي يشهده العالم، كما أننا لازلنا رهائن لدى وحوش مفترسة تريد ابتلاع كل شيء حتى كياننا وذواتنا وعقولنا.

نحن في هذا الوطن الغني بتعدد مكوناته وتنوعه لدينا أمراضنا الفكرية الداخلية التي كانت السبب في نشوء الحاضنة التي ساهمت في خلق داعش وتوسعه، ولعل أهم تلك الأمراض هما الشوفينية القومية (العنصرية البعثية والناصرية مثالاً) ، والتعصب الديني ممثلاً بالأخوان والقاعدة ،
فكلاهما بنيا على حوامل فكرية وفلسفية قد تكون مثالية بنظر البعض وقد تكون متطرفة بنظر آخرين، لكن من المؤكد أن الممارسات العملية للاثنين هي ممارسات استبدادية متطرفة بغض النظر عن العوامل الخارجية والدول التي تغذي التطرف.

فالعنصرية القومية لاتقل خطورةً عن التطرف الديني ، كما الأخوان المسلمين الذين يحرضون المكونات والشعوب ضد بعضها في سبيل الوصول الى السلطة باسم الله والدين فلهم النصيب الأكبر في تدمير بنية مجتمعاتنا وبلداننا .

وهناك من تبنى الاثنين معاً (التطرف الديني والقوموي) وصاروا في مرتبة الوحشية اللاإنسانية ! فقط من أجل الوصول إلى هدفهم “السلطة” والاستفراد بها على أشلاء الملايين من البشر .

العقلية نشأت وتشربت هذا الفكر وكبرت وتصلبت عليه ثم التقت مع محور المصالح السلطوية للدول التي ترى في هذه الأفراد البيئة المناسبة من أجل تمرير مشاريعها والتخلص من أمراضها الداخلية بفتح المجال للشواذ من مواطنيها والتخلص منهم بطريقة تخدم مشاريعها التوسعية في بلداننا.

هذه السياسات التي تمارس على شعوبنا باتت معروفة للجميع لكن لا أحد يريد أن يبحث في كينونة فكره ونفسه عن حالة التطرف (داعش) ، فأنا مثلاُ وغيري الآلاف الذين تخرجوا من مدارس البعث أو الأخوان مررنا بهذه الحالة التي تمثل حالة فكرية مصغرة عن داعش ولكنها مهيئة لأن تكون أسوأ من داعش نفسها.

كما أن أي شخص لايرى أنه تربى على فكر عنصري ليس بالضرورة أن لايجد في نفسه تطرفاَ (داعشياً ولو صغيراً) فما دام أنه لايقبل الآخر ورأيه فهو متطرف (داعشي) بالممارسة .

وبما أن مجتمعاتنا لاتزال تنظر للمرأة بنظرة سلبية منقوصة (دونية) وعلى أنها عورة فهنا أيضاً لانختلف كثيراً عن فكر التطرف لدى داعش .
ولا يمكننا أن نتخيل أحداً يدعي الديمقراطية أو يتبنى الأخلاق الإنسانية أن يرفض حقوق الأخرين وشركاءه على قدر المساواة في الحياة التشاركية، وكل من لم يتربى على تلك الأخلاق الإنسانية فهو بالضرورة يحمل فكراً إقصائياً وناكراً للآخر المختلف معه.

أي أن الأخلاق والإرهاب حالتان فكريتان متناقضتان لاتقبلان بعضهما، وعليه يمكننا القياس وإسقاط مبدأي التطرف والأخلاق على أنفسنا وعلى الآخرين في جميع تعاملاتنا ومعتقداتنا وممارساتنا اليومية .

الحلول والرؤى :

  • عماد التخلص من حالة التطرف والإرهاب و بناء المجتمعات الأخلاقية السليمة يبدأ من الفكر الصحيح الذي يجب أن تتربى عليه الأجيال القادمة والأطفال وفق أسس ومناهج تعليمية وتربوية سليمة .
  • المساواة الحقيقية بين الجنسين في مختلف أشكال الحياة والإدارة بدءأ من العائلة وانتهاء بإدارة المؤسسات بكل أشكالها .
  • العقد الإجتماعي (الدستور) الذي يضمن الحقوق القومية والدينية وفق مبدأي المواطنة وفصل الدين عن الدولة والاعتراف بالتعدد والتنوع والحقوق الثقافية واللغوية للمجتمعات والمكونات التي تعيش مع بعضها ضمن الدولة الواحدة بغض النظر عن العدد الذي تمثله كل مجموعة أو مكون في هذا البلد.
  • تفعيل مسار الحل السياسي من خلال البدء في حوار وطني جامع ومفتوح بين معظم القوى والتيارات وحتى الشرائح المجتمعية من أجل صياغة دستور توافقي أو تعديل الدستور الحالي كي يلبي الحدود الدنيا من طموحات الشعب وبما يتناسب مع حجم الكارثة التي نعيشها.
  • العدالة في توزيع الثروات وفق قوانين وأجندات تخدم المصالح الوطنية وليس مصالح أفراد أو دول أخرى .
  • التشاركية في إدارة مفاصل الدولة من أسفل الهرم إلى أعلاه وتبني اللامركزية في الإدارة وإعطاء صلاحيات واسعة للقاعدة بحيث يكون الشعب هو صاحب الإرادة والقائد الفعلي للبلد وهو الذي بيده محاسبة النظام وأركانه وفق العقد الاجتماعي الذي سيتم صوغه أو تعديله بالتوافق .
  • إفساح المجال للطاقات المتجددة من جيل الشباب في الإدارة فهم بروح العنفوان وطاقاتهم يستطيعون إحداث التغيير المنشود وبناء ماتم هدمه في أقصر وقت ممكن بالتوازي مع ورشات تدريب فكرية وتنظيمية على فنون الإدارة السليمة وتقبل الأخر والتشاركية في العمل، وهنا يمكن الاعتماد على التوافق في تشكيل حكومة تكنوقراط في بدايات مراحل البناء أو اللجوء الى صوت الشعب في حال عدم التوافق .

الكل مسؤول عن البناء، بناء الإنسان الخلوق الذي تبنى عليه المجتمعات الواعية والمتطورة فكرياً واقتصادياً وسياسياً وفِي مختلف أنماط الحياة.

كل من موقعه يشكل حجر البناء في مستقبلٍ مليء بالمفاجآت والأحداث … نحن بين مفترق طرق فإما أن نسير باتجاه مجتمعات أخلاقية والعيش بسلام وانسجام وحرية وكرامة وإما أن تعيش الأجيال القادمة في ظل إرهاب وأحداث أكثر كارثية ودموية مماشهدناه في حال لم نتحمل مسؤولياتنا التاريخية.

الأستاذ: أحمد أعرج المنسق العام للتحالف الوطني الديمقراطي السوري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق